الشيخ الأنصاري

308

مطارح الأنظار ( ط . ج )

وكيف كان فالاستدلال بالآية على وجه ينطبق على المدّعى في المقام بأحد وجهين : أحدهما : أنّه تبارك وتعالى حصر المأمور به لأهل الكتاب في العبادة ، ولا يتحقّق العبادة إلّا بقصد الامتثال ، فيجب عليهم الامتثال وينسحب هذا الحكم في شريعتنا أيضا ، لما قرّر من جواز استصحاب الأحكام الثابتة في الشرائع الماضية « 1 » . وإن أبيت عن ذلك فيدلّ عليه قوله : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ « 2 » أي المستقرّة الثابتة التي لا ينالها « 3 » النسخ . وثانيهما : أنّهم قد أمروا بالإخلاص في الدين ، وهو عبارة عن مجموع الأعمال والعقائد الشرعيّة ، والإخلاص بها لا يتمّ إلّا عند قصد الامتثال ، ويتمّ في حقّنا بالوجهين . والجواب : أمّا عن الوجه الأوّل ، فبأنّه إن أريد من حصر المأمور به في العبادة أنّ التعبّد بالأوامر الواردة في الإنجيل والتوراة تنحصر غاياتها بالتعبّد ، على أن يكون كلمة « اللام » للغاية - كما يظهر من استدلال بعض أصحابنا بالآية في قبال الأشعري القائل بالجزاف في أفعاله تعالى - فهو فاسد جدّا ، لأنّ المنساق من الآية أنّها ليست للغاية ، بل من المعلوم بواسطة ملاحظة نظائره في الآيات القرآنيّة أنّها لام الإرادة « 4 » الداخلة على المراد « 5 » ، كما في قوله : وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 6 »

--> ( 1 ) فرائد الأصول 3 : 225 . ( 2 ) في النسخ و ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ والصواب ما أثبتناه ، وإن ورد في سورة يوسف الآية 40 ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ لأنّ الكلام في آية سورة البيّنة . ( 3 ) في ( ع ) و ( م ) : المستقرّ الثابت الّذي لا يناله . ( 4 ) في ط زيادة : والأمر . ( 5 ) في ط زيادة : والمأمور به . ( 6 ) الأنعام : 71 .